العيني
166
عمدة القاري
القِرَبَ علَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ في أفْوَاهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِها ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتفْرِغَانِهَا فِي أفْوَاهِ القَوْمِ . . قيل : بوب البخاري على غزوهن وقتالهن ، وليس في الحديث أنهن قاتلن ، فأما أن يريد إن إعانتهن للغزاة غزو ، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن للمداواة ولسقي الجرحى إلاَّ وهن يدافعن عن أنفسهن . وهو الغالب ، فأضاف إليهن القتال لذلك . قلت : كلا الوجهين جيد . ويؤيد الوجه الأول ما رواه أبو داود في ( سننه ) من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه : أنها خرجت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في غزوة خيبر . . . الحديث ، وفيه : فخرجن نعزل الشعر ونعين في سبيل الله ، ومعنا دواء الجرح وتناول السهام ونسقي السويق ، فقال لهن خيراً حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال . . . الحديث ، فهذا فيه : نناول السهام ، يعني للغزاة ، والمناول للغازي أجره مثل أجر الغازي ، كما للمناول السهم للرامي في غير الغزاة ، وأجر المناول في الغزاة بطريق الأولى . ويؤيد الوجه الثاني ما رواه مسلم من حديث أنس : أن أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين ، فقالت : اتخذته إن دنى مني أحد من المشركين بقرت بطنه ، فهذه أم سليم اتخذت عدة لقتل المشركين وعزمت على ذلك ، فصار حكمها حكم الرجال المقاتلين ، وذكر بعضهم حديث أبي داود المذكور وغيره مثله ، ثم قال : ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن . انتهى . قلت : التلويح يغني عن التصريح فيحصل به المطابقة على الوجه الذي ذكرناه ، ثم قال هذا القائل : يحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن وإن خرجن في الغزو فالتقدير بقوله : وقتالهن مع الرجال ، أي : هل هو سائغ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو ويقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك . انتهى . قلت : لم يكن غرض البخاري هذا الاحتمال البعيد أصلاً ولا هذا التقدير الذي قدره ، لأنه خلاف ما يقتضيه التركيب ، فكيف يقول : هل هو سائغ ؟ بل هو واجب عليها الدفع إذا دنى منها العدو ، وكما في حديث أم سليم فافهم . ذكر رجاله وهم أربعة : الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين : اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد . الثاني : عبد الوارث بن سعيد . الثالث : عبد العزيز بن صهيب أبو حمزة . الرابع : أنس بن مالك . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث في ثلاثة مواضع . وفيه : العنعنة في موضع واحد . وفيه : القول في موضع واحد . وفيه : أن رجاله كلهم بصريون . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في فضل أبي طلحة وفي المغازي . وأخرجه مسلم في المغازي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي معمر به . ذكر معناه : قوله : ( وأم سليم ) ، هي أم أنس بن مالك . قوله : ( المشمرتان ) ، من التشمير ، يقال : شمر إزاره إذا رفعه ، وشمر عن ساقه وشمر في أمره أي : خفف ، وشمر للأمر ، أي : تهيأ له . قوله : ( خدم سوقهما ) ، الخدم بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة : الخلاخيل ، الواحد : خدمة ، وقال ابن قرقول : وقد سمي موضعها من الساقين خدمة ، وجمعه : خدام ، بالكسر ويقال : سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور مركب فيه الذهب والفضة ، والخدمة في الأصل : السير ، والمخدم موضع الخلخال من الساق ، ويقال : أصله أن الخدمة سير عليها مثل الحلقة تشد في رسغ البعير ثم تشد إليها شرايح نعله ، فسمي الخلخال : خدمة لذلك ، وقيل : الخدمة مخرج الرِجل من السراويل ، والسوق ، بالضم جمع : ساق . قوله : ( تنقزان ) ، من النقز ، بالنون والقاف والزاي ، وهو الوثب ، وقال الداودي : معناه : بسرعان المشي كالهرولة . وقال غيره : معناه الوثوب ، ونحوه في حديث ابن مسعود أنه : كان يصلي الظهر والخلائق تنقز من الرمضاء ، أي : تثب ، يقال : نقز ينقز من باب نصر ينصر ، وقال الجوهري : نقز الظبي في عدوه ينقز نقزاً ونقزاناً أي : وثب ، والتنقيز التثويب ، وقال الخطابي : أحسب الرواية : تزفران ، بدل : تنقزان ، والزفر حمل القرب الثقال . قلت : مادته زاي وفاء وراء ، قال الجوهري : الزفر ، مصدر قولك : زفر الحمل يزفره زفراً أي : حمله ، وأزفره أيضاً ، والزفر بالكسر الجمل ، والجمع أزفار ، والزفر أيضاً القربة ، ومنه قيل للإماء اللواتي يحملن القرب : زوافر ، وقيل : الزفر البحر الفياض ، فعلى هذا كانت تملأ القرب حتى تفيض . قوله : ( القرب ) ، بكسر القاف : جمع قربة ، وفي ( التلويح ) ضبط الشيوخ القرب ، بنصب الباء